معاجم فلسفية المكتبة الفلسفية مقالات سجل الزوار استقبال المشاركات الصفحة الرئيسية


فضاء الباكالوريا          مقالات ودراسات منهج و بيداغوجيا منتدى الحوار       فضاء الباكالوريا   


 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

المرحوم محمد عابد الجابري...

شهادة

                                  أبو يعرب المرزوقي     

لم ينلني شرف الاقتراب الحميم من المرحوم ولم يحصل بينه وبيني  لقاء علمي إلا في مناسبة واحدة عابرة قبل بعض سنين في ندوة ابن خلدون بالبحرين. ولعل ذلك بسبب عزوفه منذ عقدين عن المشاركة في الندوات العلمية لأسباب صحية وبعدي المبدئي عن الحياة العامة والنضالية التي يعد الأستاذ الجابري رحمه الله من كبار روادها بل ومن قادتها. وقد شرفني فكان أحد أعضاء اللجنة التي ناقشت رسالتي حول الكلي. وما بين عمله الفكري ومحاولاتي من غايات عملية رغم اختلاف الأدوات النظرية فيه الكثير من أوجه الشبه وخاصة من حيث المقصد الأساسي الذي أشهد بأنه كان فيه الرائد ومحدد الوجهة لكل من أتى بعده من المفكرين المهمومين بشروط نهضة الأمة.

فهو بلا منازع رائد الوصل والحوار والمؤسس بفكره بل وبعمله كذلك لما يشبه الجبهة الفكرية والثقافية بين تياري الفكر الأساسيين في نهضة الأمة. ولعل أهم رمز مؤيد لهذا التوجه في فكره هو جمعه بين محنة ابن حنبل وامتحان ابن رشد. ومن المعلوم أنه قد دخل إلى هذا الوصل الحي من طلب مقولات الفكر الحديث في الفكر الأصيل مبرزا ما فيه من مقومات التأسيس الأصيل للحداثة من داخله.

ولعل أهم ثمرات هذا التوجه النظري في فكره قد كانت أحد العوامل الأساسية لانطلاق التواصل بين التيارين القومي والإسلامي اللذين وجد الكثير من زعمائه فيه ما يسند سعيهما إلى التقارب. وليس ذلك بالغريب فالرجل رحمه الله كان الهم العملي ملازمه بل هو قد مارسه فكان عنده المقدم على الهاجس النظري.

ثم إن اجتهاداته الفكرية في تطبيق المناهج الحديثة على التراث وخاصة المنهج الذي يحدد ما يسميه فوكو بـالابستميات كان بداية حقيقية جعلت المواقف من التراث تصبح منبت المحاولات النقدية المتوالية بين مدارس الفكر العربي الحديث ومن ثم تأسيسا للحيوية الفكرية التي يمكن أن تصبح منطلقا لنشأة تيارات فكرية مبدعة. وقد أساء إليه الكثير من قرائه عندما خلطوا بين منهجية تحديد الابستميات في تحقيب الذهنيات التي تحددت فكونت تراث الأمة النظري والعملي وما ظنوه قراءة ابستمولوجية للتراث. فالمنهجية الأولى ذات معنى. وهي ما طبقه بتوفيق مشهود اعتمدته أجيال من المفكرين الناشئين اعتماد أفق القراءة والفهم. والفهم الثاني عديمها. ومن ثم فمن سوء التقدير تقويم عمله في ضوئها بل هو منظور ظالم إذا ما قيست به ثمرات فكره. ذلك أن التراث ليس علما فيقرأ ابستمولوجيا بل هو أرشيف تقبل عقلياته المتوالية التحقيب الابستمي الذي يمكن ألا يكون مما يجمع عليه الباحثون في دلالات التراث دون أن يفسد ذلك بينهم للود قضية.

 رحم الله الفقيد وأسكنه رحيب جناته

        أبو يعرب المرزوقي

     تونس في 10.05.05

 

 

 

 

 

Directed by:    Amri Abou-louay     www.alfalsafa.com      2005/2010

 


.

فضاء الفيلسوف أبو يعرب المرزوقي