


قفزة التاريخ العربي الحالية ما منطقها؟
أبو يعرب المرزوقي
يكاد التاريخ بمفاجآته أن يكون ممتنع الصوغ العقلي بسبب ما في أحداثه من فوضى وما في معانيه من شعث وخاصة من حيث تواليهما في الزمان وتوزعهما في المكان فضلا عن توزع صانعيهما على طبقات سلمه الاجتماعي مع ما يؤدي إليه ذلك من عتمة في دورة حياة الجماعة المادية والرمزية: وتلك هي أبعاد تجلي التاريخ الحضاري لكل أمة تجليه المحكوم بما بين هذه الأبعاد من علائق واقترانات بعضها جلي حتى للوعي العادي وبعضها خاف حتى عن الوعي العلمي.
والمعلوم أن الكلام في معاني التاريخ وفلسفته يعتبر من الفضول ولذلك فهو ليس مما يلقى القبول والترحاب إلا ممن لا يلهيه عن طلب الفهم والحقيقة شاغل. لكن الأوان حان الآن للسؤال عن أسس ما يجري من تاريخنا الحي خلال جريانه طلبا لمنطق مساره الواصل بين أفعال الماضي الحية بمعانيها ومعاني المستقبل الحية بأفعالها: فالحاضر الحي هو غليان اللقاء الحيوي بين الحدث والمعنى استدبارا وإستقبالا بين الماضي والمستقبل الحي الذي تعد لحظات الطفرات النوعية التي من جنس ما يجري في بلاد العرب حاليا ذراه المحددة لمعالم التاريخ.
في الحاجة إلى إستراتيجية للمستقبل
ولكن مهما كان التاريخ عسير الصوغ المنطقي فإن هذا الصوغ -ولو في شكل تقريبي- يبقى من ضرورات الوجود الإنساني. ومن ثم فلا بد من الاستجابة لحاجة فعل البشر التاريخي حاجته لشرط فعلهم الواعي والقصدي فعلا حقيقيا: الفهم والتأويل الشارطان لكل إستراتيجية تبدع الوسائل التي تمكن من تحقيق الغايات بحسب ترتيب وآجال معينين انطلاقا مما لهم من معرفة علمية بمستويات الفعل المادية والرمزية كما تعينت في ماضيهم حدثا فعليا ومعنى تأويليا كلاهما ضروري للفعل في الحاضر باعتباره تحديدا لمعنى المستقبل ومنطلقا لحدثه.
أبعاد الفعل الإنساني المحدد لمصيره
ويمكن للعقل المتروي بفضل ما يمكِّنه منه تعيين ما حصل من تطور ونمو في هذه المستويات المحددة لأحياز الفعل كل فعل واعيا كان أو غير واع (التوالي الزماني والتوزيع المكاني وتقسيم الفعل على سلم الرتب والأدوار الاجتماعية ودورة الحياة المادية والرمزية) أن يحدد المحركات الأساسية التي تلائم بين الأهداف والوسائل ملاءمة هي ما نطلق عليه اسم إستراتيجية الأمة إستراتيجيتها التي تنظم بها أفعالها فتصنع بها ما يدين لها بوجوده من تاريخها. ويمكن أن ندرس هذه المستويات من خلال تجليها في المجتمعات الإنسانية تجليا:
1-ينظم المكان فيجعله جغرافيا محددة هي نوع الاندراج في المكان بصورة تتعين فيها خصائص الأمة الحضارية.
2-ويرتب الزمان فيجعله تاريخا محددا هو عين هذا الاندراج في المكان خلال أحقاب الزمان وهو عين ذاكرتها التي تقص ملاحمها.
3-ويبني سلم الرتب والأدوار الاجتماعية فيجعلها منظومة بشرية معينة سلم هو عين ما ثبت من الأدوار خلال هذا الفعل التاريخي الذي تحددت تضاريس زمانه في مكانه.
4-ويحقق الترابط بين فاعليات دورة الحياة المادية فيصيرها اقتصادا ذا قيام ذاتي هو عين العلاقات بين البشر المحكومة بما أصبح لهم من سلطان على محيطهم الطبيعي داخليا ومن سلطان غيرهم على باقي المعمورة خارجيا.
5-فينسج دورة الحياة الرمزية ليجعلها معينا لما يضفى على كل ما سبق من معان بحيث إن المكان والزمان والسلم والدورة المادية كلها تكون فاقدة للمعنى من دون ما صاحب الأفعال التي حولتها إلى جغرافيا وتاريخ وسلم رتب وتكامل مادي في جماعة انتسجت بينها لحمة هي هويتها التي جعلتها تكون ذاتا جماعية إلى جوار غيرها من الذوات الجماعية في دينامية التحادد المتبادل بينها سلما وحربا. وبذلك تبرز إلى الوجود المادي والرمزي الجماعة العينية ذات القيام المكاني والزماني والسلمي والدوري المتحد في هوية هي مبدأ كونها شخصا جمعيا متخلل لتلك المجالات جميعا تخلل الروح للبدن.
وهذا التجلي هو الأمر الذي صاغه ابن خلدون في فلسفته التاريخية بعيدة الغور (التي شوهتها القراءات الإيديولوجية المادحة أو القادحة بغير عميق فهم) محللا العناصر المقومة للعمران عناصره التي يقسمها إلى مادة (النظام الاقتصادي والنظام الثقافي ) وصورة (النظام السياسي والنظام التربوي) كلتاهما ذات بعدين أحدهما فعلي والثاني رمزي ومؤسسا هذه الأبعاد الأربعة على وحدة روحية هي هوية أمة من الأمم. وليس التاريخ الإنساني إلا ما يحصل من أحداث كونية بما لها من دلالات التعبير عن حقيقة الإنسان المتعينة في هويات الأمم. ومنها استنتج ابن خلدون المنطق الحاكم للتاريخ البشري بفضل تلاقيها السلمي والحربي التاريخ الذي تكون فيه الإنسانية كلها أمة واحدة. ولهذه العلة سمى علمه بـعلم العمران البشري (مستوى التعاون على سد حاجات البشرية كلها) والاجتماع الإنساني (مستوى التآنس بين البشر كلهم). وبصورة موجزة فإن هذه الأبعاد مع أساسها هي التالية:
فمقوما مادة العمران أعني:
1-الاقتصاد أوشروط وجود العمران المادية المتعينة في المكان والزمان وسلم الرتب الاجتماعية ودورة الحياة المادية والرمزية وهو ما موضوع التعاون على سد الحاجات المادية: نظام التعاون والتعاوض أو سد الحاجات المادية بالأساس.
2-والثقافة أو شروط وجوده الرمزية المتعينة في المكان والزمان والرتب الاجتماعية ودورة الحياة المادية والرمزية وهو موضوع معاني ذلك التعاون لسد الحاجات المادية ومن ثم فهو يسد الحاجات الروحية: نظام التآنس والتواصل أو سد الحاجات الروحية بالأساس.
ومقوما صورة العمران أعني:
3-السياسة أو شروط تصوير العمران الفعلية أعني تصوير فعلي الإنتاج المادي والرمزي والتعاون فيهما بما كان ذلك التعاون تبادلا مشروطا بالتعاوض العادل: نظام رعاية بعدي المادة وتصريفهما وقاية وعلاجا للتعاون والتعاوض والتآنس والتواصل بمقتضى القانون أو القواعد الصرحية المتفق عليها بين أفراد الجماعة وهيئاتها الجمعية.
4-والتربية أو شروط تصويره الرمزية أعني تكوين الإنسان بحيث يعد لبعدي مادة العمران فيكون مسهما في القيام المادي والرمزي وفي تصويرهما السياسي والتربوية: نظام رعاية التنشئة الاجتماعية والتكوين الخلقي والمهني والمعرفي والوطني والإنساني من خلال نموذج الإنسان الذي تحدده القيم الإنسانية بصبغة معينة في حضارة معينة.
أصل كل المقومات ومعين معناها:
5-أما الأساس الذي يوحد هذه الأبعاد ويضفي عليها المعنى فهو ما يجعل الجماعة جماعة بعينها ومن ثم ذات قيام مستقل عن الجماعات الأخرى بحيث تكون قادرة على التفاعل مع الجماعات الأخرى ليحصل المستوى الأسمى من العمران البشري والاجتماع الإنسان: أعني مستوى الجماعة الكلية بمصطلح الفارابي (وهو المستوى الرابع من الجماعة والذي تخلو منه الفلسفة العملية اليونانية لكونها تقف عند المستوى الثالث أي المدينة بعد الأسرة والقرية والمقصود الدولة الخاصة بأمة بعينها).
فهم أحداث التاريخ العربي الحالي
ولكي نفهم مجريات الحدث التاريخي العربي الحالي فلا بد من ترتيب الأقطار العربية بمقتضى درجات النضوج التي بلغت إليها هذه المستويات أعني الوعي بمطالبها لتكون في القدر الممكن تاريخيا من صورتها المثلى. فهذه الدرجات المختلفة تقبل التحديد من خلال طبيعة العلاقة المضاعفة بين نوعي المقومات المادية والصورية ثم بين مقومي كلا النوعين أعني بين مقومي مادة العمران أولا وبين مقومي صورة العمران ثانيا.
وهذه العلاقة لا يكفي لتحديدها الاقتصار على ما لها من محددات ذاتية داخلية بل لا بد فيها من اعتبار التحديد الغالب على العالم في الظرفية التي تكون موضوع الدرس أعني طبيعة العلاقة بالحضارة الغربية المعولمة في حالتنا الراهنية وخاصة منذ الصدمة الاستعمارية ومحاولات النهوض المتوالية خلال القرنين الأخيرين. وبهذا المعيار يمكن أن نصنف الأقطار العربية فنقسمها إلى الأصناف التالية بمقتضى بعدي صورة العمران لكون مادة العمران (الاقتصاد والثقافة) تابعة لصورته (السياسة والتربية) في مستوى الوعي حتى وإن كانت التبعية عكسية في مستوى الوجود أعني أن الصورة تابعة للمادة وجوديا:
1-فبحسب الشكل السياسي للنظام والتربوي التابع له تنقسم الأقطار العربية إلى ما تبنى منها ولو شكلا الشكل الحديث أعني الجمهوريات والتربية الحديثة في السطح مع بقاء البنية التقليدية فاعلة في العمق وهو ما يعلل عودتها جميعا إلى الشكل البدائي من الحكم والتربية الذي ساد عصر الانحطاط العربي الإسلامي. والنظام التربوي تابع للنظام السياسي في مستوى الوجود ومتبوع نه في مستوى الوعي: وتبني النظامين الحديثين شكلي خالص لكونه مقصورا على محاكاة الشكل الخارجي.
2-ومنها ما حافظ على الشكل الموروث في السياسة والتربية من عصر الانحطاط العربي الإسلامي مع التحديث المادي المفرط في العمران وأدوات الحضارة الحديثة المستوردة من دون أن يكون لأهل البلد فيها دور يتجاوز الاستعمال والاستهلاك. وكان النظام التربوي تابعا لهذا الحفاظ فكان حفاظا بمجرد المحاكاة للماضي الأهلي. وقد سرت في هذه البلاد مؤخرا محاولات لتبني شكليات النظام الحديث في الحكم والتربية دون حقيقته.
لذلك فكلا الصنفين من الأنظمة السياسي والتربوي ليسا حديثا فيهما إلا الشكل وهما يستفيدان من أدوات السلطة المادية والرمزية أدواتها الحديثة أعني أجهزة السلطة والقدرة الفائقة للتقنيات الحديثة في الاستعلام والإعلام والتسلط والحركة السريعة في المكان والزمان: وهو ما جعلها تصل بالاستبداد والفساد الذروة التي لا يتمكن منها النظام التقليدي الفاقد لها ولا النظام الحديث المحصن ضدها بآليات الإعلام والديموقراطية.
ذلك أن كل الأنظمة السياسية والتربوية العربية بقيت أسرية وقبلية ومناطقية بما في ذلك ما يتصف منها شكلا بشكل الجمهورية والتعليم الحديث مع أساس عنيف يمثله سلطان الأجهزة البوليسية والعسكرية والتعسف التربوي يغلب على الجمهوريات ونراه قد شرع بالتدريج في الانتشار في الملكيات انتشار الطابع الأسري والقبلي للجمهوريات. ومن ثم فكل الأنظمة العربية السياسية والتربوية سواء كانت ذات شكل جمهوري أو ملكي تتصف بالأسرية والأجهزية. وهي نوعان يختلفان في طبيعة الوصل الشكلي بين الأصيل والحديث تقديما وتأخيرا :
فمنها ما جعل هذا الوصل يتحول إلى عداء صريح للماضي في السياسة والتربية وكان رمز هذا العداء معاداة الإسلام وإن بدرجات مختلفة على نمط الكمالية مثل تونس وليبيا وسورية. ومن ثم فالمعركة في هذا النوع الأول ستكون مع الإسلام والحركات الممثلة له.: ولعل تقدم تونس في هذه الثورة علته ما طغى على هذا البعد فيها بحيث إن نفس المعركة تتواصل مع بقايا النظام وحلفائه من فاسد العلمانيين وممن انضم إليها من المعارضة المزعومة بحيث سيكون سلوك هذه الحركات شرط نجاح الثورة أو فشلها ومن جنسها ليبيا
ومنها ما جعل هذا الوصل فيهما ملطفا بحلول وسطى مع الماضي الذي ترمز إليه طبيعة العلاقة بالدين كذلك مثل مصر واليمن والسودان. لذلك فالثورة في مصر تبدو قد تخلصت من هذه الإشكالية وهي بالأحرى ستعود إلى جنس آخر من الصراع السوي في العمران البشري أعني الصراع الطبقي وهو في مصر صراع بين الباشوات الجدد الذين استأنفوا عهد الباشوات القدامى منذ بداية عهد أنور السادات والطبقات الشعبية. ولعل الجزائر والعراق أقرب إلى النمط المصري منهما إلى النمط التونسي.
ونفس ما قلناه عن الأنظمة العربية ذات الحداثة الشكلية أي الجمهوريات الأسرية الجهازية يقال مثله أو أكثر (إذا أدخلنا في الحسبان ما يضاف إلى الأهلي العين الساهرة للحامي الأجنبي فيها: وهذا أيضا عامل يكاد يعم كل الأقطار العربية بما في ذلك ما كان من الأقطار ذات الإيديولوجية القومية التي تدعي الغيرة على استقلالها عن التدخل الأجنبي بدليل انتشار القواعد الأجنبية العلني منها والسري) عن الأنظمة ذات الأصالة الشكلية أي الملكيات (والمشيخيات والإمارات والسلطنات). لكن الأنظمة التقليدية بصورة أوضح تنقسم نفس التقسيم من حيث ميل أجيالها الشابة إلى تكرار تجارب الجمهوريات التي مرت بها الأقطار العربية التي خلعت الملكيات وميل أجيالها الأكبر سنا إلى شراء سكوت الشباب بما تغدقه من رشاوى مالية تفسد معنى المواطنة وتقتل إمكانية بناء مجتمعات ذات قيام مستقل لاعتمادها على عبودية العمالة الأجنبية في الأعمال الدنيا وعلى سيادة العمالة الأجنبية في الأعمال العليا وخاصة في إدارة شؤونها الاقتصادية والعسكرية وحتى السياسية لأنها في الحقيقة محميات لا أكثر ولا أقل. ومثلما أن إفراط الجمهورية الشكلية قد نفرت الشعوب من الحداثة التي لم يروا منها إلا الوجه الشكلي وحببتها إليها المهرب إلى الأصيل فإن إفراط الملكيات قد نفرت الشعوب عن الدين الذي لم يروا إلا الرسوم الشكلية وحببت إليها المهرب إلى الدخيل.
ومثلما كانت تونس ومصر نموذجين لما سيحدث في الجمهوريات الشكلية فإن المغرب والأردن سيمثلان النموذج لما سيحدث في الملكيات: والصلح بين الأصالة والحداثة في الجمهوريات في النظام السياسي والتربوي والاقتصادي والثقافي هو مفتاح الحل في كلتا الحالتين. لكن الفارق في طبيعة الحاجة في الحالتين هو المحدد لترتيب التوجه نحو الحل:
فهي في الجمهوريات متمثلة خاصة في ضرورة التحرر من شكليات الحداثة لتحقيق الصلح بين روح الأصالة وروح الحداثة في المجالات السياسية والتربوية والاقتصادية والثقافية.
وهي في الملكيات متمثلة خاصة في ضرورة التحرر من شكليات الأصالة لتحقيق الصلح بين روح الحداثة وروح الأصالة في نفس المجالات.
ولما كنا نعتبر هذا الصلح في الحالتين هو الهدف الحقيقي للثورة التي تنتشر اليوم في الوطن العربي انتشار النار في الهشيم فإننا نعتبر المسافة بين الموجود والمنشود منه هي المعيار الممكن من ترتيب الثورات في الأقطار العربية من حيث التوالي في الزمان والشدة في العنفوان. ذلك ما لا بد في محاولة فهمه من تحليل الخارطة السياسة والتربوية والاقتصادية والثقافية الحالية عينة من الخارطة الإسلامية. فلعل ذلك يساعد الفاعلين على تحديد خطط عملها ليس بالضرورة من خلال القول بما يجيء في التحليل بل حتى بمعارضته والتحدد بالقياس إليه سلبا أو إيجابا.
مسار الثورة المتوقع في أقطار الوطن العربي
لا أزعم التنبؤ بالمستقبل. ولن أحاول الرجم بالغيب. لكني أعتقد أن توقع المسار الثوري ممكن علميا إذا أعددنا الدراسات الميدانية الممكنة من ترتيب ما حصل في هذه الأبعاد بمعيار العلاقة بين الماضي والحاضر فرتبنا البلاد العربية بمقتضى ما حصل من نضوج ناقل من آخر ما بلغ إليه الماضي إلى أول ما بلغ إليه الحاضر خلال قرني النهضة الأخيرين. والمهم أن البلاد العربية التي ضربنا منها مثالين لكل نوع من أنواع الأنظمة يمكن بصورة فرضية أن نجزم بما يلي:
1-فما حصل في تونس ومصر سيكون نموذج كل ما سيحصل في باقي الجمهوريات العربية. ومن ثم فترتيبها في مسار الثورة هو ترتيبها في المسافة الفاصلة بين تونس ومصر من حيث طبيعة العلاقة الصدامية والتصالحية بين الماضي والحاضر. ذلك أنه سيكون ذو العلاقة الأكثر تنافرا بين الماضي والحاضر في الجمهوريات السباق في حصول الثورة أعني تونس قبل مصر.
2-وما سيحصل في المغرب الأقصى والأردن سيكون نموذج ما سيحصل في ما بقي من الملكيات العربية. ومن ثم فترتيبها في مسار الثورة هو ترتيبها في المسافة الفاصلة بين المغرب والأردن من حيث نفس العلاقة. ذلك أنه سيكون ذو العلاقة الأكثر حدة بينهما في الملكيات سباقا أعني المغرب قبل الأردن.
3-وتقدم قطري المغرب العربي على قطري المشرق العربي يمكن تعليله بدرجة القرب من الصدام المطلق بين العناصر الممثلة للأصالة والعناصر الممثلة للحداثة وما نتج عنها في طبيعة العلاقة بين الماضي والحاضر فضلا عن تأثير طبيعة الاستعمار الذي أثر فيها: فالصراع بين الماضي والحاضر في المستعمرات الفرنسية لم يقتصر على النخب وحدها كما في حالة الأقطار المشرقية بل هو امتد إلى عامة الشعب لعلتين اثنتين:
أولا لأن الاستعمار في المغرب العربي كان استيطانيا ولم يكن اقتصاديا وسياسيا فحسب بل هو بلغ إلى مخ الكيان الحضاري إذ هو صار ثقافيا ولغويا. وقد لا أكون مجابنا للصواب إذا قلت إن بلاد المشرق عامة وبلاد الخليج خاصة بدأت تتأثر بنفس هذا النوع من الاستعمار بوجهين أدنى هو استعمار العمالة الاجنبية المستعبدة وأعلى هو استعمار الفنيين والحماة من الأجانب أعني الاستعمار الإنجليزي والأمريكي.
وثانيا لأن طبيعة الثقافة الفرنسية يغلب عليها وجهان لعملة واحدة هما ما ينتج عن تاريخ الكاثوليكية التي استعملت اليعقوبية والماركسية أداتين لسلب النخب انتسابها لهويتها فتصبح أكثر تبشيرا بالكاثوليكية المحدثة من زعيمهم ماسينيون الذي اقترح على مسيحي الشرق تمسيح المسلمين الملعونين حسب رأيه كما في رمز أبناء إبراهيم المغضوب عنهم والمنفيين حسب رأيه.
وإذا كان أكثر العرب قربا من الحالة الصدامية بين الماضي والحاضر أقربهم إلى الثورة على هذه العلاقة المرضية بينهما ومن ثم أكثرهم بدارا إلى علاجها العلاج الشافي فإن الحالة السوية المطلوبة هي السعي الثوري لتحقيق بعدي التحديث السوي أعني:
الديموقراطية السياسة والاقتصادية (بالنسبة إلى الداخل) وشرطهما استقلال الإرادة السياسية والقدرة الاقتصادية (بالنسبة إلى التأثير الخارجي للأفراد والجماعة).
والأصالة السوية أعني الإصلاح التربوي والثقافي (بالنسبة إلى الداخل) وشركهما استقلال الإرادة الخلقية والقدرة الروحية (بالنسبة إلى التأثير الخارجي للأفراد والجماعة).
وبذلك يتطابق مطلوب العقل الذي يجمع بين عناصره اللامتناهية مفهوم حقوق الإنسان الطبيعية ومطلوب النقل الذي يجمع بين عناصره اللامتناهية مفهوم مقاصد الشريعة. وهذا التطابق هو جوهر القيم القرآنية التي هي كونية بفضل هذا التطابق.
وتلك هي العلة في أن الثورة العربية الحالية هي ثورة تحرر داخلي وخارجي وهي ثورة تحرر كوني لأن الاستعباد الداخلي والخارجي بلغا في اللحظة العربية الذروة التي جعلت الوطن العربي خاصة والعالم الإسلامي عامة بؤرة الصراع الدولي من جديد ومن ثم ففيه تعينت أدواء اللحظة الكونية الحالية ومنها ينبغ إن شاء الله دواؤها: ولما كان آخر دواء للأدواء البشرية هو الكي فإن رمز الانطلاق كان ذروة الكي: شهادة الاحتراق المعدم لقشور الفناء والمخلد لألباب البقاء: البوعزيزي.
المصدر: بريد موقع الفلسفة
|
Directed by: Amri Abou-louay www.alfalsafa.com 2005/2011 |